نخبة من الأكاديميين
546
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
" لذلك أصولًا وادّعوا في معرفة الشمس والقمر والنجوم علماً عظيماً لم يأتوا عليه ببرهان واضح ولا قياسٍ صحيح " « 1 » . ويلوذ حبش بالصمت فيما يخصّ هويّة هؤلاء الفلكيّين وأعمالهم . وبقي الوضع على ما هو عليه ، بحسب حبش ، حتى عهد المأمون حيث جرى التحقّق من مختلف الجداول الفلكيّة المنقولة سابقاً إلى العربيّة : الجدول الفلكي الهندي ( " زيج السندهند " ) ، وجدول براهماغوبتا الفلكي ( " الزيج الأركند " ) ، والجدول الفلكي الفارسي ( " زيج الشاه " ) ، وزيج بطلميوس المعروف ب - " القانون اليوناني " أو " القانون المُيَسَّر " ، و " أزياج أخرى " ، كما جرت مقارنة أحدها بالآخر . أفضى هذا التحقّق من نتائج مختلف الجداول الفلكيّة إلى أنّ " كلّ واحد منها يوافق الصواب أحياناً ويبتعد عن منهج الحقّ أحياناً " « 2 » ، يحسب تعبير حَبَش . فمن قام بهذه الأبحاث الأولى ؟ لا يجيبنا حَبَشُ على هذا السؤال . ولكنّنا نعلم أنّ هذا النشاط بدأ قبل عهد المأمون ، مع الفزاري ، ويعقوب بن طارق ؛ أمّا مِن عهد المأمون فلدينا أسماءٌ كثيرةٌ غيرهما . ومهما يكن من أمر ، فإنّ المأمون ، بعد هذا التحقّق وعلى أثر هذه النتيجة السلبيّة ، " أمر يحيى بن أبي منصور الحاسب بِالرجوع إلى أصل كُتُب النجوم وجَمعِ علماءِ أهل هذه الصناعة وحكماءِ أهل زمانه ليتعاونوا على البحث على أصول هذا العلم ، والقصد لتصحيحه ، إذ كان بطلميوس القلوذي قد أقام الدليل على أنّ درك ما يحاول علمه من صناعة النجوم غير ممتنع " « 3 » . نفّذ يحيى بن أبي منصور الحاسب عالِم الرياضيّات والفلك ما أمره به المأمون . فاختار هو وزملاؤه " المجسطي " ككتاب أساس ، وعملوا في بغداد ، على رصد حركة الشمس والقمر في أوقات مختلفة . بعد وفاة يحيى بن أبي منصور ، كلّف المأمون ، في دمشق ، عالِم فلك آخر ، هو خالد بن عبد الملك المروَروذي ، بالعمل على أوّل رصد متواصل عُرِف في التاريخ لحركة الشمس والقمر « 4 » ( وكان ذلك على امتداد سنة كاملة ) . خلال هذه المرحلة من البحث الناشط في علم الفلك تمّت ترجمة " المجسطي " لِبطلميوس مرّتين . ويمكننا إعادة التحليل ذاته فيما يخصّ العلوم الأخرى المرتبطة بعلم الفلك ، كالبحث في المزاول الشمسيّة وترجمة مؤلَّف " أنالما " ( " Analemma " ) لِديودور ، أو في الهندسة الكرويّة وترجمة المؤلّف الشهير لِمينيلاوس . هذا التحليل لا يُفهِمنا ظروف هذه الحركة في الترجمة وملابساتها فحسب ، لكنّه يُمكّننا أيضاً من التنبّؤ بخاتمتها ، حيث أنّ البحث الجديد في ذلك العصر ، تجاوز بنتائجه وبطرائقه العلم الموروث . إلّا أنّ هذا الأمر لم يحدث في الوقت نفسه للعلوم كلّها ؛ ففيما يخصّ عدد لا يُستهان به منها ، لم تكتمل حركة الترجمة إلّا عند انعطاف ذلك القرن . خلاصة للمستقبل . . . لم تزل مسألة نقل الإرث الفلسفي اليوناني إلى العربيّة ، مفتوحة بالكامل ؛ وذلك رغم الأعمال الأساسيّة التي أُنْجِزت في هذا المجال « 5 » . تقع هذه الأعمال ، مع بعض الاستثناءات ، في أحد الأبواب التالية : فقه اللغة ، والفقه اللغوي - الأثري ، والتاريخ . يهتمّ البحث اللغوي بالمسائل الخاصّة بالمفردات وبتركيب الكلام ، التي أثارتها الترجمة العربيّة . وتسعى الدراسة اللغويّة - الأثريّة إلى التعرّف ، في خلفيّة
--> ( 1 ) حبش الحاسب : " الزيج الدمشقي " ، مخطوطة برلين 5750 ، الورقة 70 ظ . ( 2 ) المرجع نفسه ، الورقة 70 ظ . ( 3 ) المرجع نفسه . ( 4 ) المرجع نفسه ، الورقة 70 و . ( 5 ) أنظر المراجع التالية : م . ستاينشنايدر ، M . Steinschneider : Die Arabischen - bersetzungen aus dem Griechischen ( Graz , 1889 ) ; ع . بدوي ، " التراث اليوناني في الحضارة الإسلاميّة " ( القاهرة ، 1946 ) ؛ La Transmission de la philosophie grecque au monde arabe ( Paris , J . Vrin , 1968 ) ; ر . ولزر ، R . Walzer : " Arabische bersetzungen aus dem Griechischen " , in Miscellanea Medievalia , 9 ( 1962 ) , pp . 179 - 195 .